الشنقيطي

513

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ [ سبأ : 12 ] ، وقوله : يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ [ سبأ : 13 ] ، وكقوله في حفظهم من أن يزيغوا عن أمره : وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ ( 12 ) [ سبأ : 12 ] ، وقوله : وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ( 38 ) [ ص : 38 ] . وصفة البساط ، وصفة حمل الريح له ، وصفة جنود سليمان من الجن والإنس والطير - كل ذلك مذكور بكثرة في كتب التفسير ، ونحن لم نطل به الكلام في هذا الكلام المبارك . قوله تعالى : وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 83 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ ( 84 ) [ 83 - 84 ] . الظاهر أن قوله وَأَيُّوبَ منصوب باذكر مقدرا ، ويدل على ذلك قوله تعالى في « ص » وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ ( 41 ) [ ص : 41 ] . وقد أمر جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم : أن يذكر أيوب حين نادى ربه قائلا : أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 83 ) وأن ربه استجاب له فكشف عنه جميع ما به من الضر ، وأنه آتاه أهله ، وآتاه مثلهم معهم رحمة منه جل وعلا به ، وتذكيرا للعابدين أي الذين يعبدون اللّه لأنهم هم المنتفعون بالذكرى . وهذا المعنى الذي ذكره هنا ذكره أيضا في سورة « ص » في قوله : وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ ( 41 ) إلى قوله لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 43 ) [ ص : 41 - 43 ] والضر الذي مس أيوب ، ونادى ربه ليكشفه عنه كان بلاء أصابه في بدنه وأهله وماله . ولما أراد اللّه إذهاب الضر عنه أمره أن يركض برجله ففعل ، فنبعت له عين ماء فاغتسل منها فزال كل ما بظاهر بدنه من الضر ، وشرب منها فزال كل ما بباطنه ؛ كما أشار تعالى إلى ذلك في قوله : ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ ( 42 ) [ ص : 42 ] . وما ذكره في « الأنبياء » : من أنه آتاه أهله ومثلهم معهم رحمة منه وذكرى لمن يعبده - بينه في « ص » في قوله ، وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 43 ) [ ص : 43 ] ، وقوله في « الأنبياء » ، وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ ( 84 ) مع قوله في « ص » ، وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 43 ) فيه الدلالة الواضحة على أن أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال ، هم الذين يعبدون اللّه وحده ويطيعونه . وهذا يؤيد قول من قال من أهل العلم ، إن من أوصى بشيء من ماله لأعقل الناس - أن تلك الوصية تصرف لأتقى الناس وأشدهم طاعة للّه تعالى ؛ لأنهم هم أولو الألباب ؛ أي العقول الصحيحة السالمة من الاختلال .